السيد عبد الأعلى السبزواري

266

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

للعبد المصطفى - كما تقدّم - ولكن نفس الاصطفاء والنبوّة والولاية ونحوها لا بد أن تكون بإذن من اللّه تعالى وتعيين منه عزّ وجلّ ، ولا يمكن أن تكون تحت اختيار البشر لعدم إحاطة العقول بذلك ، فيلزم الخلاف أو الفساد . الثاني : لم يذكر سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء في آية الاصطفاء صريحا ، ولكن قد ذكره في قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، ويستفاد من ذلك أن مقامه صلّى اللّه عليه وآله فوق مقام الاصطفاء ، حيث جعل متابعته صلّى اللّه عليه وآله سببا لمحبّته تعالى ، التي هي من مقتضيات الاصطفاء كما عرفت . الثالث : يستفاد من آية الاصطفاء أن اصطفاء اللّه تعالى لبعض عباده يدلّ على الامتياز ، وأن المصطفين ممتازون عن سائر الخلق ، لتحقّق الإنسانيّة الكاملة فيهم ، وأن لهم نفوسا قدسية هي المرآة الأتم لأخلاق اللّه تعالى والعبوديّة المحضة ، وهي مظهر أسمائه وصفاته ومحل تجلّيه عزّ وجلّ ، فهم آيات اللّه التكوينيّة والتشريعيّة . الرابع : لعلّ الغرض الأهم من آية الاصطفاء وآية المحبّة هو سوق الناس إلى المكارم وإيقاظ من هو غافل عن الحقيقة والكمال ، فإن محبّة اللّه تعالى واصطفاء لمحبّيه لا يمكن أن تحصلا إلا بالإيمان باللّه تعالى إيمانا حقيقيّا ، والتوجّه إليه تعالى والعمل بما أنزله عزّ وجلّ بجد وإخلاص ، فيشمله حينئذ ما شمل أولياء اللّه تعالى المصطفين من التوفيقات ونزول البركات ، ويستعد لتلقّي فيوضات اللّه تعالى ، ويصلح أن يكون وليّا يصلح به نظام الدنيا والآخرة ، فالآية الشريفة ترشد الناس إلى طريق هؤلاء الذين اصطفاهم اللّه تعالى على العالمين ، وأن يكون سيرهم وسلوكهم كسيرهم وسلوكهم ، فتكون الآية من الكناية التي هي أبلغ من التصريح . الخامس : يستفاد من قوله تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ، أن هذه الذرّية المصطفاة من الخلق هي محفوظة من لدن آدم عليه السّلام إلى نوح إلى آل إبراهيم إلى آل عمران ، وأن ذكر الأفراد قبل ذلك إنما هو لبيان اتصال السلسلة والاتحاد بين تلك الأفراد ، وأنها محفوظة إلى آخر الدهر وفناء الدنيا ، لا يمكن أن تنقطع هذه السلسلة